
*الكاتب:* محمد مظهر شاهين -
قد تبدو الهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون على المملكة العربية السعودية، للوهلة الأولى، امتدادا طبيعيا للحرب الدائرة في اليمن. غير أن قراءة المشهد الإقليمي وتوقيت هذه الهجمات تكشف أنها تتجاوز كونها تطورا عسكريا ميدانيا، لتندرج ضمن معادلة جيوسياسية أوسع.
فاستهداف المملكة، والتهديد بإغلاق مضيق باب المندب أمام السفن السعودية، وتعريض أمن الملاحة في البحر الأحمر للخطر، لا يمثل رسالة عسكرية موجهة إلى الرياض فحسب، بل يشكل أيضا تحديا للتوازن الدبلوماسي الجديد الذي بدأ يتبلور في الشرق الأوسط.
خلال الأشهر الأخيرة، عملت كل من تركيا وقطر وباكستان ومصر والمملكة العربية السعودية، عبر قنوات دبلوماسية مختلفة، لتحقيق هدف مشترك يتمثل في الحيلولة دون اندلاع مواجهة مباشرة بين أمريكا وإيران، والحفاظ على استقرار المنطقة.
ورغم اختلاف طبيعة علاقات هذه الدول مع طهران وتباين أولوياتها في السياسة الخارجية، فإنها تلتقي عند رؤية إستراتيجية واحدة.
فالمبادرات الدبلوماسية التي تقودها أنقرة، والدور الوسيط الذي تضطلع به الدوحة منذ سنوات، والاتصالات التي تجريها إسلام آباد مع كل من طهران والعواصم الخليجية، وحرص القاهرة على أمن البحر الأحمر، إضافة إلى النهج الأكثر حذرا الذي تبنته الرياض في سياستها الأمنية خلال الفترة الأخيرة، كلها تعكس رؤية مشتركة تسعى إلى ترسيخ الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة. فهذه الدول، وإن اختلفت عواصمها، فإنها تسير في الاتجاه الإستراتيجي نفسه.
ومن هذا المنطلق، يصعب اعتبار توقيت استهداف الحوثيين للمملكة العربية السعودية مجرد مصادفة. فهذه الهجمات لا تضر بالمملكة وحدها، بل تضعف أيضا الجهود الدبلوماسية التي تبذلها دول المنطقة لمنع اتساع رقعة الصراع.
إذ إن الدول التي تعمل على تجنب اندلاع مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران كانت تعول على امتناع الأطراف المسلحة في الميدان عن اتخاذ خطوات تؤدي إلى تصعيد التوتر. إلا أن هجمات الحوثيين جاءت لتدفع بالأحداث في الاتجاه المعاكس.
ولعل ما أعقب هذه الهجمات من مواقف دبلوماسية يؤكد هذه الحقيقة. فقد سارعت تركيا، إلى جانب قطر وباكستان ومصر وعدد من الدول الإقليمية، إلى إدانة الاعتداءات التي استهدفت المملكة العربية السعودية، مؤكدة تضامنها الكامل مع الرياض ورفضها لأي تهديد يمس أمنها واستقرارها.
ولا يعكس هذا الموقف دعما سياسيا للمملكة فحسب، بل يعبر أيضا عن إرادة جماعية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع انزلاق الشرق الأوسط إلى جولة جديدة من حروب الوكالة.
باب المندب.. من ممر تجاري إلى بؤرة توتر
لا تقتصر خطورة هذه الهجمات على بعدها العسكري، بل تمتد إلى محاولة تحويل مضيق باب المندب إلى بؤرة توتر دائمة. فهذا المضيق، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، لا يرتبط بأمن المملكة العربية السعودية وحدها، بل يؤثر بصورة مباشرة في قناة السويس المصرية، وصادرات الطاقة القطرية، والممرات التجارية التركية نحو أوروبا وأفريقيا، إضافة إلى حركة التجارة البحرية الباكستانية.
وإذا تحول باب المندب إلى نسخة أخرى من مضيق هرمز، فإن التداعيات الاقتصادية والسياسية لن تقتصر على دول المنطقة، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
كما أن هذه التطورات تطرح تحديا مهما أمام إيران على صعيد بناء الثقة. فإذا كانت طهران تؤكد في اتصالاتها الدبلوماسية حرصها على خفض التصعيد، في الوقت الذي تواصل فيه جماعات حليفة لها تنفيذ عمليات تؤدي إلى زيادة التوتر، فمن الطبيعي أن تتزايد التساؤلات حول مدى التزامها الفعلي بخيار التهدئة.
فالدبلوماسية لا تقاس بما يقال على طاولات المفاوضات فحسب، وإنما أيضا بما يحدث على الأرض. ومن شأن استمرار هذه الهجمات أن يضعف الثقة ويؤثر سلبا في فرص نجاح الجهود الدبلوماسية التي تبذلها تركيا وقطر وباكستان ومصر والمملكة العربية السعودية.
مخاطر إحياء الانقسامات
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا المسار قد يعيد إحياء الانقسامات المذهبية في المنطقة، ويفتح الباب أمام تصاعد حروب الوكالة بين القوى الإقليمية. فبعد سنوات من محاولات تهدئة التنافس بين إيران والمملكة العربية السعودية، قد تمتد آثار أي تصعيد جديد إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، لتدخل المنطقة في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى هجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية باعتبارها مجرد حادث أمني عابر، بل باعتبارها تحديا إستراتيجيا يستهدف المسار الدبلوماسي الذي تعمل من خلاله تركيا وقطر وباكستان ومصر والمملكة العربية السعودية على منع اندلاع حرب مباشرة بين أمريكا وإيران.
فهذه الدول، رغم اختلاف سياساتها، تتقاسم هدفا واحدا يتمثل في حماية الشرق الأوسط من الانزلاق إلى حرب إقليمية جديدة، والحفاظ على استقرار المنطقة. ومن هنا، فإن تحويل باب المندب إلى "هرمز جديد" لن يهدد أمن الملاحة الدولية فحسب، بل سيقوض أيضا هذا التوافق الإقليمي الذي بدأ يتشكل بصعوبة.
