
رحلة العطاء الإنساني والوطني لا تُقاس بمدد التكليف، ولا تنتهي بانتهاء المراسيم والقرارات الإدارية؛ إنما هي نقشٌ في ذاكرة الأوطان وسيرةٌ تتردد في ضمائر المنصفين. ومن عجبِ الزمان أن يُسارع البعض — بدافع العجلة أو قصر النظر — إلى زعمٍ واهٍ مفاده أن النسيان قد طوى أفضال الفريق مسغارو ولد اغويزي بمجرد ترجله عن صهوة العمل التنفيذي وتقاعده. وهو زعمٌ يجافي شواهد الواقع، ويخطئ قراءة طبائع الأوفياء الذين لا يبيعون وداد الأمس بسكوت اليوم.
إن التقاعد في عرف الرجال الذين نذروا أنفسهم لخدمة وطنهم ليس غياباً، بل هو انتقالٌ من ضوضاء المسؤولية اليومية إلى سكينة الأثر المستدام. لقد أمضى مسغارو ولد اغويزي عقوداً من عمره في مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية، مرسخاً دعائم الاستقرار، ومُساهماً بحنكةٍ واقتدار في حماية السكينة العامة وتحصين الحوزة الترابية. وإن تاريخاً كُتب بحبر السهر والتضحية في منعطفات وطنية حاسمة، لا يمكن لقرار إحالةٍ إلى المعاش أن يمحوه من وجدان الشعب أو يطمسه من سجلات الفخر.
وإلى أولئك الذين يظنون أن التوقف عن الوظيفة يعني توقف العرفان، نقول: إن الوفاء لرجال الوطن ليس بضاعةً ترتبط بالمناصب، تروج ببقائها وتكسد بزوالها. إن أفضال الفريق مسغارو ولد اغويزي، سواء في قيادته للقطاعات الأمنية التي ترك فيها بصماتٍ واضحة من التطوير والتحديث، أو في مواقفه الإنسانية والاجتماعية التي لامست حياة الكثيرين، تظل ديناً في عنق الذاكرة الجمعية.
لم ننسَ، ولن ننسى، من كان سداً منيعاً في وجه التحديات، ومن ظل بابه ومكتبه — طوال سنوات الخدمة — مقصداً لذوي الحاجات، ومظلةً تجمع ولا تفرق. إن غيابه الميداني اليوم لا يزيدنا إلا تقديراً لحجم الفراغ الذي تركه، وعرفاناً بالجهود المضنية التي بذلها في صمت ووقار.
إن مقياس الرجال لا يكمن في كراسي المسؤولية التي يغادرونها عاجلاً أم آجلاً، بل في الاحترام الذي يرافقهم إلى بيوتهم، والدعوات الصادقة التي تلهج بها ألسنة المواطنين في غيابهم. سيبقى مسغارو ولد اغويزي رمزاً من رموز البذل والعطاء في تاريخنا المعاصر، وستظل أفضاله ومناقبه محفورة في الصدور، عصيةً على النسيان، متساميةً فوق مزاعم الواهمين.
