عشر سنوات على محاولة الانقلاب الفاشلة: استقلالية القرار التركي والشراكات الإقليمية* مصطفى كوكصو

جمعة, 07/17/2026 - 12:40

قبل كل شيء نتضرع إلى الله عز وجل بالدعاء بالرحمة والمغفرة لصاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي رحل عنا في الأيام الماضية. أسكنه الله فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء عن كل ما قام به من جهد في تقوية العلاقات بين بلادنا.

تصادف الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في 15 يوليو 2016، هذه السنة، وبلادنا تزداد وحدة واستقرارا. تلك المحطة شكلت مفصلا في الذاكرة السياسية لتركيا الحديثة.

لم يقتصر الحدث في تلك الليلة على مواجهة أمنية مع الانقلابيين، بل مثل اختبارا حقيقيا للإرادة الشعبية التي أثبتت نضجها، وتحولت إلى شريك أساسي في حماية المسار الديمقراطي والمؤسسات الدستورية.

لقد أصبحت هذه الذكرى محطة لتقييم القدرة الوطنية على حماية المكتسبات الديمقراطية أمام التحديات. فما جرى أسس لمرحلة تؤمن بأن الشرعية تستمد حصرا من الإرادة الجماهيرية، وأن زمن الوصاية العسكرية والتدخلات غير الديمقراطية قد ولى إلى غير رجعة.

إعادة البناء وتحصين المؤسسات
في ذلك المساء، حاولت شبكة متغلغلة داخل القوات المسلحة، تابعة لتنظيم "غولن" الإرهابي، الإطاحة بالحكومة المنتخبة لفرض واقع جديد بالقوة. غير أن الاستجابة الشعبية السريعة، تلبية لدعوة فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، أسقطت هذا المخطط خلال ساعات، وأرست قواعد عهد جديد تبنى فيه الإرادة من القاعدة المجتمعية الواعية.

كانت تلك المحاولة اختبارا قاسيا لصلابة النظام، لكنها شكلت في الوقت ذاته فرصة لإعادة البناء. لم تكتف الدولة التركية بتجاوز الأزمة، بل أطلقت ورشة إصلاحات هيكلية شاملة لتطهير أجهزة الأمن والدفاع والقضاء من الاختراقات، وضمان ولائها المطلق للدستور. وترافق ذلك مع سن تشريعات لتعزيز الشفافية والمحاسبة الإدارية.

وفي قطاع التعليم، استعادت الدولة سيادتها على المؤسسات التي استغلها التنظيم. وبرز "وقف المعارف التركي" كذراع دبلوماسية تعليمية فاعلة، حيث يدير اليوم أكثر من 600 مؤسسة في 66 دولة، مقدما خدماته لأكثر من 75 ألف طالب.

كما شهدت السلطة القضائية تحديثات لضمان كفاءتها واستقلالها، تزامنا مع اتساع مساحة النقاش المدني وحيوية المجتمع كشريك أساسي في حماية الديمقراطية.

مؤشرات الصمود والنمو المستدام

اليوم، وبعد مرور عشر سنوات على تلك الأحداث، رسخت تركيا حالة من التوازن السياسي والاقتصادي. فرغم التحديات العالمية والإقليمية، من الجوائح إلى الكوارث الطبيعية والأزمات الجيوسياسية، حافظ الاقتصاد التركي على مرونته واستمرارية أهدافه الإستراتيجية.

على الصعيد الإستراتيجي، حققت تركيا قفزات نوعية في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الخارج. وأصبحت تركيا تصدر الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمنية لنحو 180 دولة، مستحوذة على 65% من سوق الطائرات المسيرة العالمي.

وفي قطاع الطاقة، تجاوزت حصة المصادر المتجددة 56% من إجمالي الطاقة المركبة، في مسار طموح نحو تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2053.

كما حققت قمة الناتو التاريخية لعام 2026 والتي نظمت في العاصمة التركية أنقرة بين السابع والثامن من الشهر الجاري نجاحا رسخ مكانة تركيا كقوة عالمية لا غنى عنها. نجح خلالها الرئيس أردوغان في قيادة الحلف نحو صياغة توازنات أمنية جديدة وإقرار مبدأ "الندية الكاملة" بين الحلفاء.

الرؤية الإستراتيجية و"تركيا خالية من الإرهاب"
إن الرؤية الإستراتيجية الحالية للدولة التركية، كما لخصها الرئيس رجب طيب أردوغان مؤخرا، تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن لتؤسس لمرحلة "تركيا خالية من الإرهاب". هذه الإستراتيجية باتت عنوانا لرؤية الدولة في "قرنها الجديد".

لقد أثبتت تركيا، عبر عملياتها الاستباقية لتجفيف منابع الإرهاب خارج الحدود، وتطوير قدراتها الذاتية المستقلة في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أنها لم تعد بلدا يرسم له دوره في سيناريوهات الآخرين، بل أضحت "صانعة قرار" مستقلة.

السياسة الخارجية والشراكة مع قطر
انطلاقا من هذا الاستقرار الداخلي، صاغت تركيا مقاربة خارجية أكثر استقلالية، تستند إلى مبدأ "التوازن النشط". ومكنت هذه السياسة أنقرة من لعب أدوار وساطة فاعلة دوليا.

وفي قلب هذه الرؤية الإقليمية، تبرز العلاقات التركية-القطرية كنموذج للتحالفات الموثوقة. لقد سجلت الذاكرة السياسية التركية بتقدير عال إعلان دولة قطر دعمها الصريح للحكومة المنتخبة خلال الساعات الأولى لمحاولة الانقلاب.

لقد أثبتت الأزمات المتتالية أن التنسيق التركي-القطري يمثل ركيزة هامة للأمن الإقليمي. ومؤخرا، أكد الرئيس أردوغان رفض تركيا القاطع لأي مساس بسيادة دولة قطر.

وفي الختام، ومع استحضار الذكرى العاشرة ليوم 15 يوليو، نؤكد أن صون السيادة الوطنية يتطلب بناء داخليا متينا، وشراكات خارجية قائمة على الندية والوفاء. وسيظل 15 يوليو في كل عام علامة مضيئة على إرادة لا تقهر، وعلى أخوة تركية-قطرية تقف جنبا إلى جنب على طريق الحرية والتضامن.

الفيديو

تابعونا على الفيس