مدينة تجكجة "المحروسة": تاريخ قرون من العطاء ومستقبل يتجدد. بقلم د.محمد الراظي بن صدفن.

أحد, 06/21/2026 - 13:49

تُعد مدينة تجكجة "المحروسة" -كما سماها العلامة سيدي عبدالله ولد الحاج إبراهيم- من أعرق الحواضر الموريتانية، وقد جعلها موقعها على هضبة تكانت، في قلب البلاد، منذ تأسيسها عام 1660م، همزة وصل بين الشمال الصحراوي والجنوب النهري والشرق الحوضي.

يجمع معظم المؤرخين على أن المدينة تأسست على يد مجموعة من العلويين قدموا من شنقيط التاريخية، هرباً من حرب اندلعت هناك، فاستقر بهم المقام في الوادي الذي حمل لاحقاً اسم "تجكجة".

بنيت المدينة حول " أحسي تورجة " القديم الذي كان محطة مهمة لتزويد القوافل التي تجوب المنطقة ذهاباً وإياباً بماء الشرب ، كما كان مصدراً أساسياً تعتمد علية الساكنة في حياتها اليومية ، في حين تذهب بعض المصادر إلى أن التشييد الفعلي لـ"كصر" المدينة العتيقة تم عام 1667م. ومهما يكن من أمر، فإن وفرة المياه الدائمة في الوادي شكلت دعامة أساسية للتبادلات التجارية بين شمال إفريقيا وجنوب الصحراء، كما جعلت من تجكجة لاحقاً مركزاً زراعياً نشطاً ونقطة استراحة استراتيجية على طرق القوافل الرابطة بين المغرب وبلاد السودان الغربي.

من أهم الأعمال العلمية الحديثة التي تناولت الموروث الثقافي والحضاري للمدينة وتاريخها بصفة عامة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: أطروحة الدكتوراه في التاريخ التي أعدها الأخ والصديق المرحوم محمد عبدالله بن يب بن اخليفة، ونوقشت بجامعة السوربون في منتصف الثمانينات تحت إشراف المؤرخ الفرنسي الشهير جان دفيس، بعنوان "مدينة تجكجة منذ تأسيسها خلال القرن السابع عشر إلى قيام الجمهورية الإسلامية الموريتانية سنة 1960م". تغطي الأطروحة فترة تمتد لأكثر من ثلاثة قرون، من نشأة الحاضرة كمركز قوافل في العصر الحديث حتى استقلال موريتانيا، وتُعد من أهم المراجع التي تناولت تاريخ المنطقة بمنهجية علمية دقيقة، اعتمدت على الوثائق والمخطوطات المكتوبة، والمقابلات الميدانية، والروايات الشفهية الموثوقة.

ثانياً: حصيلة البحوث التي أجراها الأخ الدكتور محمد بن مولود، والتي خصص جلها لدراسة حوليات مدينة تجكجة، وهي مخطوطات ووثائق تدوينية محلية تؤرخ للمدينة وللحيز الصحراوي بأكمله، وكُتبت بأسلوب التاريخ الحولي (تسجيل الأحداث سنة بسنة). وتكتسي هذه الحوليات قيمة بالغة الأهمية، إذ توثق لذاكرة المجتمع التجكجي. وقد استكشف الباحث العديد من أرصدة المخطوطات الأهلية في كل من تجكجة وتيشيت، ويعود له الفضل في تبني مبادرة دعم صيانة وتثمين هذا التراث، التي أسفرت عن ميلاد "شبكات المكتبات التقليدية في تجكجة" عام 1996م.

ثالثاً: صدور كتاب "من أبير إلى شنقيط" للأخ الفاضل الأستاذ المصطفى بن سيد أم، والذي عرض من خلاله مسار العلويين الشناقطة منذ مقدم أجدادهم الأوائل من الجزيرة العربية، مروراً بتأسيس مدينتهم "أبير" أولاً ثم شنقيط ثانياً، مع تركيز خاص على تاريخ مدينة تجكجة وإشعاعها الثقافي والعلمي وتأثير ذلك على المحيط.

رابعاً: الجهود البحثية للأخ الدكتور التجاني بن عبد الحميد، حول دراسة المتون الفقهية ومقررات التدريس والمناهج التربوية في جامعة سيدي عبدالله ولد الحاج إبراهيم. وقد قام خلال السنوات الأخيرة بنشر عدة مؤلفات شملت الفقه وعلوم الحديث والتصوف والأدب واللغة، في إطار تثمين وصيانة والتعريف بالتراث الثقافي لهذه المدينة العريقة.

ورغم اختلاف المقاربات المنهجية وتعدد الإشكاليات التي عالجتها هذه البحوث، فإنها تتفق في المجمل حول حقائق تاريخية أهمها:

أولاً: الدور العلمي والتربوي الذي لعبته "إدويرة" كجامعة محظرية، خرّجت العديد من العلماء والفقهاء من جميع نواحي القطر الشنقيطي، وامتد تأثيرها الثقافي إلى العالم العربي والإسلامي عبر تصدير المناهج المحظرية ونظم المتون العلمية، وتدريس العلوم الشرعية واللغوية في إفريقيا والمشرق العربي. وقد رسخ العلامة سيدي عبدالله ولد الحاج إبراهيم مرجعية علمية فريدة، وأرسى قواعد دقيقة في الفقه والأصول واللغة، وألف شروحاً ومختصرات طبعت وتداولتها المكتبة العربية والإسلامية في مختلف الأقطار لدقتها وشموليتها. ويُعد هذا العالم الرباني مجدد المحظرة الشنقيطية، حيث تمثل مشروعه التجديدي في الاجتهاد المذهبي، وضبط الفتاوى، وتقريب العلوم وتسهيلها بالمتون والنظم، والتأصيل الأصولي، وتأسيس منهج نقدي يرفض التقليد الأعمى وينبذ العصبية والتحيز القبلي في الأحكام الشرعية، داعياً إلى تحري الحق استناداً للأدلة. وتتعالى اليوم أصوات تدعو لإعادة الاعتبار لرمزية "إدويرة" وإشعاعها الثقافي.

ثانياً: الخصوصية الثقافية للفن المعماري للمدينة القديمة، الذي يتميز بطابعه الصحراوي الفريد، حيث بنيت المنازل من الحجارة والطين، وأسقف من جذوع النخيل، وتعتمد العمارة على الأزقة الضيقة والساحات المفتوحة لضمان التهوية، وتزيين واجهات المباني بالنقوش والزخارف الهندسية التي تحاكي فن العمارة الإسلامية البديعة. ونظراً لهذه القيمة التاريخية والعلمية، صُنف الحي القديم في المدينة كتراث إسلامي، وتُبذل اليوم جهود مشكورة من قبل جمعية حماية الحي القديم لصيانته وترميمه وحمايته من التشويه العمراني، بعد أن أضر الهدم بالمسجد العتيق خلال العقود الماضية، الذي كان يحاكي في تصميمه مسجد شنقيط ذا الدلالة الرمزية، والذي يمثل جزءاً مهماً من تراث القوم وتاريخ أجدادهم.

ثالثاً: محورية واحات النخيل في حياة سكان المدينة، حيث يرتبط تاريخ النخيل بتجكجة ارتباطاً وثيقاً بنشأتها، ذلك أن أصل كلمة "تجكجة" -حسب بعض المصادر- كلمة بربرية معناها "الخضراء"، بفضل واحات النخيل الغناء التي شكلت ركيزة الاستقرار فيها. لقد شكل النخيل الأساس الاقتصادي والعمود الفقري لحياة السكان منذ التأسيس وإلى اليوم. إلا أن تتابع سنوات الجفاف خلال العقود التي أعقبت الاستقلال، وتغيرات المناخ، أحدثا تأثيراً مدمراً لقطاع النخيل. وقد أدى شح الأمطار إلى تراجع الغطاء المائي السطحي، مما تسبب في موت آلاف الأشجار، وتراجع الإنتاج الزراعي بشكل كبير.

ويمكن تلخيص التأثيرات الرئيسية لسنوات الجفاف على تنمية الواحات في تجكجة فيما يلي:

· استنزاف الموارد المائية: حيث أدى انخفاض معدلات التساقطات المطرية إلى تراجع تغذية البحيرات السطحية والمياه الجوفية التي تعتمد عليها الواحات، مما اضطر المزارعين لحفر آبار عميقة أثرت سلباً على جودة التربة والفرشة المائية.
· تضرر موسم الكيطنة: حيث هدد نقص المياه وجفاف الأودية المحصول الزراعي والمخزون من التمور، الذي يعد المصدر الاقتصادي والغذائي الأول للسكان.

· زحف الرمال والتصحر: إذ ساهم الجفاف وقلة الغطاء النباتي في تنشيط حركة الكثبان الرملية التي باتت تغمر أجزاء واسعة من الواحات، مما أدى إلى تلف الأشجار وتراجع المساحات المزروعة.

· النزوح السكاني وتراجع التنمية: حيث أدت قسوة الجفاف وفقدان الماشية والنخيل إلى هجرة أعداد كبيرة من السكان نحو المدن الكبرى، مما خلق فراغاً بشرياً أضعف عجلة التنمية المحلية.

واليوم، ورغم الجهود التي بذلتها الدولة عبر برامجها الاستعجالية، التي شملت حفر آبار الري وإنشاء واحات نموذجية، فإن مشروع جلب المياه إلى تجكجة الذي وعد به رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والمعلن عنه في أواخر 2025م، يظل الحل الجذري لكسب معركة البقاء ورهان التنمية المستدامة في هذا الجزء من البلاد. وهو ما سيتعزز -بإذن الله- مع اكتمال الأشغال في مشروع طريق تجكجة - كيفة - سيلبابي - غابو، الذي سيعيد للمدينة دورها التاريخي الثقافي والاقتصادي، باعتبارها منطقة التلاقي بين شمال البلاد وجنوبها، وجوهرة الصحراء كما كانت. وعندها ترتسم ملامح جديدة لمستقبل يتجدد.

بقية الصور: 

الفيديو

تابعونا على الفيس