
في ظل الحراك المتنامي الذي تعرفه الساحة الفنية في موريتانيا، برزت خلال الفترة الأخيرة أعمال درامية حاولت كسر النمط التقليدي والانتقال بالإنتاج المحلي إلى مستويات أكثر احترافية وتنظيماً. وبين هذه التجارب، يبرز مسلسل "المتغمبره" كعمل أثار اهتمام المتابعين، وفتح نقاشاً واسعاً حول واقع الدراما الوطنية وآفاق تطويرها.
هذا العمل، الذي حظي بمتابعة لافتة، لم يمر مروراً عادياً، بل اعتبره بعض المهتمين محطة فارقة في مسار الإنتاج الدرامي المحلي، لما حمله من عناصر جديدة على مستوى الكتابة والإخراج والأداء، إضافة إلى ظروف الإنتاج التي بدت أكثر جدية مقارنة بتجارب سابقة.
وفي هذا السياق، نقدم قراءة تحليلية لهذا العمل كما وردت في النص التالي للكاتب حبيب الله أحمد:
يمكننى القول دون مبالغة دون تردد إن مسلسل " المتقمبره" أو " المتغمبره" كان علامة فارقة فى تاريخ الدراما الوطنية الموريتانية
لقد كان اغتسالا حقيقيا من ازمنة "اسكتشات" ومسلسلات ال" 5دقائق" حيث يكتب السيناريو نفسه ويلعب الممثل الدور الذى يعجبه دون نص أو مسطرة أو نظام
تربع" المتغمبره" على عرش المسلسلات الوطنية المعاصرة والتى يجب أن نقول إنها فى بداية تلمس الدرب ولن نظلمها بالقول إنها نضجت بما فيه الكفاية له مايبرره فهو عمل رصد له مال ووقت وجهد وعزيمة وإرادة قوبة تصاحبها إدارة صارمة
دعونى ارصد لكم نقاطا أراها جعلت من هذا العمل " فتحا" فى مجال الدراما المحلية
تبنى قناة الاسرة وبدعم من وزارة الأسرة للعمل كان حافز نجاح فالقناة يديرها الشاب المثقف الحريص على ترك بصمة وطنية فى مجال عمله الأستاذ أباي ولد الطلبه ويحظى باحتضان ودعم من وزيرة تعمل بتفان لترقية فطاعها
وضع فريق المسلسل فى افضل ظروف العمل ماديا ومعنويا ولوجستيا كان نقطة ارتكاز قوية لنجاح المشروع
وجود كاتب انيق الفكر والقلم بحجم الأستاذ الربيع ولد إيدوم يضع قلمه المبدع فى خدمة عمل فني اضفى على المسلسل جدية وافق معالجة ومنحه سيناربو فيه متعة وتشويق وإثارة وإن شابه " تلعثم" حواري بسبب كثرة الشخصيات فى المسلسل و" تنافسها" على صدارة لحظاته ومشاهده وسياقاته حتى أن الجمهور انقسم عند تسمية البطل أو " البطلة" لأن السيناريو أراد لمعظم الوجوه أن تستقطب الاهتمام وتصنع بطولة على مستواها وتلك من علامات نجاح المسلسل فبحث الجمهور عن بطل يجعله ملزما بمتابعة كل الحلقات وتتبع كل الوجوه والأحداث بعدها يأتى دور انتقاء البطل وهو انتقاء يعتمد على رؤية المشاهد وذوقه وثقافته وموقفه الشخصي من الوجوه والاحداث والسياقات
وجود ممثل عالمي بقامة المبدع سالم دندو فى المسلسل كان جزء من " الشرعية " الدرامية
دندو ممثل عفوي مبهر لا يتكلف المشاهد ولايرهق المشاهد ب" الخروج من الجلد" فهو بنفس الملامح والإيقاع والحضور الصاخب على الشاشة من اول لحظة ظهور إلى نهاية المسلسل
منح ظهور الممثل والمخرج الفنان تخصصا وموهبة الأستاذ بابا مينى المسلسل وقارا تمثيليا فنيا باذخا فالاستاذ بابا يتقمصه دوره وليس العكس وتلك ميزة الفنان المبدع بالفطرة والهواية والتخصص
استقطاب المسلسل للمثل القدير المثقف محمد الحسن بوخوصه
كان بالغ الأهمية ف" حسنى" رجل يعشق الفن ويعشقه ولديه قدرة استثنائية على لعب الدور الموكل إليه بعفوية وبالصرامة الدرامية المطلوبة
ثم إنه وجه جميل من زمن جميل للتمثيل المسرحي والدرامي المحلي حافظ على حضوره الشخصي المتميز فى المسلسل رغم ابتعاده لسنوات عن التمثيل
كالعادة كان العبقري بون ولد أميده على قدر الدور الموكل إليه بشخصيته القوية
بون ممثل مثقف مبدع حافظ طوال تاريخه على حضور فني متميز فى الدراما المحلية بفضل موهبته وخبرته
حضوره فى المسلسل أبان عن قدرته على المحافظة على قوة الممثل داخله وهي قوة جعلته قادرا على التكيف مع الشخصية التى يتقمصها مهما كانت ملامحها وسياقات دورها
ظهور جعفر يوسف فى المسلسل عزز طموحه وعصاميته فهو ممثل لديه ما يقدمه وينقن ادواره ويذوب فى مختلف سيافاتها
بصمات المخرج المصطفى البان اضفت على المسلسل حركية تفاعلية جسدها صخب المشاهد وديناميكيتها والقدرة على إعطاء كل ممثل دورا يناسب شخصيته وملكاته
التصوير كان رائعا وكذلك الإنارة والمؤثرات الصوتية ما يعنى وجود فريق فني مكتمل منح افراده المسلسل هوية بصرية خاصة وغير مسبوقة فى تاريخ المسلسلات المحلية
تصوير المسلسل فى فضاء مفتوح وقرية موريتانية جميلة على الطبيعة كان خيارا " بصريا" موفقا فالطبيعة تخاطبك قبل الممثلين
الجبال والرمال والاشجار والمنازل الريفية الجميلة البسيطة كلها تستفزك وتجعلك جزء من المسلسل لا مجرد مشاهد خلف الشاشة
قدرة المخرج على المزاوجة بين تجربة العمالقة دندو وبابا وحسنى وبون وطموح جيل جديد من الممثلين كانت لافتة قدمت للمشاهد زبدة تجربة الماضى وخلاصة طموح الحاضر دون أن يرتهن المسلسل بنمطية الجيل القديم أو يكون حبيس ارتجالية الجيل الجديد
ومن المسافة الفاصلة بين الجيلين قدم المخرج جهدا دراميا قويا وغير مسبوق
لكل ذلك " المتغمبره" هو بحق" راص كتبه" فى الدراما المحلية وسيكون له ما بعده فى تاريخها
