هل ستتخلى إيران عن حزب الله؟ /بقلم: رمضان بورصة

ثلاثاء, 01/06/2026 - 20:58

حاولت الولايات المتحدة الأميركية، خلال الأشهر الماضية، ممارسة ضغوط دبلوماسية متصاعدة على لبنان من أجل القبول بجملة من المطالب، بدأت بالحفاظ على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله وتنفيذ بنوده، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل الدعوة الصريحة إلى نزع سلاح حزب الله بالكامل، وربط أي دعم سياسي أو مالي للبنان بتحقيق هذا الهدف.

في بدايات هذه الضغوط، اقتصر المطلب الأميركي على وقف هجمات حزب الله ضد إسرائيل، وإنهاء وجوده العسكري جنوب نهر الليطاني. غير أن هذا السقف سرعان ما ارتفع، خصوصًا خلال فترة تولي مورغان أورتاغوس إدارة الملف اللبناني، حيث أعلنت صراحة أن انسحاب الحزب من جنوب الليطاني “غير كافٍ”، مطالبة بتجريده الكامل من سلاحه.

وقد أثارت تصريحات أورتاغوس، المعروفة بانحيازها الواضح لإسرائيل، توترًا حادًا في العلاقة بين بيروت وواشنطن، واعتُبرت تدخلًا فجًا في الشأن اللبناني، ما أدى في نهاية المطاف إلى إقالتها وتكليف توم براك، سفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، بإدارة الملف اللبناني.

خطة نزع السلاح والرفض الداخلي

مع تسلمه الملف، قدّم توم براك وثيقة رسمية للحكومة اللبنانية، تتضمن مطلبًا أساسيًا يتمثل في نزع سلاح حزب الله. وفي 7 أغسطس، أعلنت الحكومة اللبنانية موافقتها على الأهداف العامة الواردة في مقدمة الوثيقة، وكلف رئيس الوزراء نواف سلام الجيش اللبناني بإعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة، على أن تُقدَّم قبل نهاية الشهر نفسه.

غير أن حزب الله، على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، رفض بشكل قاطع هذه الخطة، مؤكدًا في سلسلة تصريحات خلال أغسطس وسبتمبر أن الحزب لن يسلم سلاحه في ظل الظروف الراهنة.

إيران تراقب… وتتحفظ

في موازاة ذلك، كانت إيران تتابع مسار محاولات نزع سلاح حزب الله عن كثب، مع سعيها في الوقت نفسه إلى إعادة بناء قدراته العسكرية بعد الضربات الإسرائيلية التي تعرض لها. وقد عبّرت طهران عن رفضها الصريح للخطة الأميركية، معتبرة أنها تهديد مباشر لمصالحها في لبنان.

وتجسد هذا الرفض في تصريحات أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي اتهم واشنطن بممارسة ضغوط وتهديدات على الحكومة اللبنانية. كما صعّد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى، من لهجته معتبرًا أن نزع سلاح حزب الله “حلم لن يتحقق”.

في المقابل، ردّ الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ووزير الخارجية يوسف رجي، بلهجة حازمة، معتبرين تلك التصريحات تدخلًا مرفوضًا في الشؤون الداخلية اللبنانية.

لقاء بيروت المتوتر

في ظل هذا التصعيد، زار علي لاريجاني بيروت في أغسطس، والتقى بالرئيس جوزيف عون، في لقاء وُصف بأنه من أكثر اللقاءات توترًا في تاريخ العلاقات اللبنانية–الإيرانية. شدد عون خلاله على أن السلاح يجب أن يكون حكرًا على الدولة اللبنانية، وأن أي تعاون مع إيران يجب أن يتم في إطار احترام السيادة الوطنية.

وردّ لاريجاني بالقول إن “لكل دولة حق اتخاذ قراراتها”، مؤكدًا أن إيران لا تفرض خططًا على لبنان، ومعتبرًا أن “المقاومة رصيد وطني” في مواجهة إسرائيل.

السياسة الإيرانية الداخلية ونزع السلاح

يخضع موقف إيران من حزب الله لتوازنات معقدة داخل النظام الإيراني نفسه. فالتيار المحافظ يرى في دعم حركات مثل حزب الله جزءًا من مشروع نفوذ إقليمي واسع، بينما يدعو التيار الإصلاحي إلى التركيز على الداخل الإيراني والتنمية الاقتصادية، وهو ما عبّر عنه سابقًا شعار: “لا لبنان ولا غزة، روحي فداء لإيران”.

وقد عكس وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف هذا التوجه الإصلاحي في خطاب ألقاه بمنتدى الدوحة في ديسمبر 2025، أشار فيه إلى أن إيران دفعت أثمانًا باهظة لدعم حلفائها الإقليميين دون أن ينعكس ذلك على أمنها المباشر.

ورغم هذا الجدل الداخلي، تبقى الكلمة الفصل في السياسة الإقليمية الإيرانية بيد الحرس الثوري، فيما تلعب وزارة الخارجية دور الواجهة الدبلوماسية.

ضغوط متراكمة وقدرات محدودة

تواجه إيران اليوم تحديات اقتصادية وأمنية خانقة بفعل العقوبات الغربية والتطورات العسكرية في المنطقة منذ أكتوبر 2023، ما أضعف قدرتها على المناورة الإقليمية. ومع تصاعد الحديث عن احتمال شن إسرائيل هجومًا واسعًا على حزب الله، بات واضحًا أن طهران لا تملك القدرة على التدخل العسكري المباشر.

وبحسب مصادر قريبة من دوائر صنع القرار في طهران، أبلغ علي لاريجاني قيادات في حزب الله، خلال لقاءات خاصة في بيروت، بأن إيران “لن تكون قادرة على الدفاع فعليًا عن الحزب في حال تعرضه لهجوم إسرائيلي شامل”، وهو ما أثار امتعاضًا داخل أوساط الحزب.

علاقة أعمق من ظرف سياسي

رغم كل ذلك، يصعب تصور تخلي إيران الكامل عن حزب الله، نظرًا للعلاقة التاريخية والاستراتيجية العميقة التي تربط الطرفين منذ تأسيس الحزب بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني. وحتى في حال تعذر الدعم العسكري المباشر، يرجح أن تواصل طهران تقديم أشكال أخرى من الدعم السياسي والاقتصادي واللوجستي.

خاتمة

في المحصلة، تخضع مسألة نزع سلاح حزب الله لحسابات إقليمية ودولية دقيقة، تتقاطع فيها الضغوط الأميركية، والهواجس الإسرائيلية، والانقسام الداخلي اللبناني، والقدرات الإيرانية المحدودة. وبينما لا تبدو إيران مستعدة للتخلي عن حليفها الإستراتيجي، فإن واقعها الراهن يفرض عليها هامشًا ضيقًا من الحركة، ما يجعل حزب الله أمام مرحلة مفصلية قد يواجه فيها تحديات غير مسبوقة.

الفيديو

تابعونا على الفيس